الاثنين 3 أغسطس 2026 | 05:12 م

السفير حلمي ل " مصر الآن "يكشف نقاط الاختناق البحرية… وإعادة هندسة خريطة الطاقة العالمية


قال  السفير عمرو حلمي مساعد وزير الخارجية السابق في تصريح لـ " مصر الآن "أن التطورات المتلاحقة في مضيقي هرمز وباب المندب تفرض واقعًا استراتيجيًا جديدًا على الاقتصاد العالمي، بعدما أصبحت أهم ممرات الطاقة والتجارة الدولية عرضة لمخاطر متزامنة وغير مسبوقة. وإذا كان مضيق هرمز يمثل منذ عقود نقطة الاختناق الرئيسية لإمدادات الطاقة العالمية، فإن امتداد التوترات إلى البحر الأحمر وباب المندب يكشف أن التحدي لم يعد يقتصر على أمن مضيق واحد، بل بات يتعلق بسلامة منظومة النقل البحري التي تربط الخليج بالأسواق العالمية، الأمر الذي يفرض إعادة النظر في مفهوم أمن الطاقة وآليات ضمان استدامة تدفقاته.

وأضاف السفير حلمي أنه تكمن خطورة هذا المشهد في أن الاقتصاد العالمي لم يعد يعتمد على تدفق البترول والغاز وحدهما، بل أصبحت الممرات البحرية نفسها شريانًا لتدفقات السلع الاستراتيجية، ومكونات الصناعات المتقدمة، وسلاسل الإمداد المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والصناعات الدوائية والغذائية. ومن ثم، فإن أي اضطراب طويل الأمد في هرمز أو باب المندب لا يترجم فقط إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وإنما أيضًا إلى زيادة تكاليف النقل والتأمين، وارتفاع معدلات التضخم، وتعطل سلاسل الإنتاج العالمية، وهو ما يعيد إلى الأذهان دروس جائحة كورونا، ولكن في سياق جيوسياسي أكثر تعقيدًا.

لقد أعادت التطورات الأخيرة تعريف مفهوم أمن الطاقة، فلم يعد يقتصر على ضمان توافر الموارد، بل أصبح يشمل أيضًا ضمان مرونة طرق نقلها. فالمشكلة لم تعد في حجم الاحتياطيات العالمية، وإنما في قدرة المنتجين على إيصالها إلى الأسواق عبر ممرات آمنة ومتعددة. ومن هنا، فإن الاعتماد المفرط على عدد محدود من نقاط الاختناق البحرية يمثل أحد أبرز مواطن الضعف في بنية الاقتصاد العالمي.

وقال ولم يعد السؤال الاستراتيجي المطروح أمام الدول المستوردة للطاقة هو كيف تؤمن احتياجاتها من البترول والغاز فحسب، وإنما كيف تقلل اعتمادها على نقاط الاختناق البحرية. فكل أزمة جديدة تؤكد أن المخاطر الجيوسياسية أصبحت جزءًا دائمًا من معادلة أمن الطاقة، الأمر الذي يدفع الاقتصادات الكبرى إلى تعزيز قدرة سلاسل الإمداد على الصمود، باعتبارها ركيزة لا تقل أهمية عن تنويع مصادر الطاقة، وهو ما يعكس انتقال الاهتمام من أمن الموارد إلى أمن مسارات تدفقها.

ولذلك، فإن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من مفهوم «الممر البديل» إلى مفهوم «الشبكة المتكاملة متعددة المسارات». فكلما تنوعت طرق نقل الطاقة، تراجعت قدرة أي أزمة إقليمية على إحداث صدمة عالمية. ولا يتعلق الأمر فقط بخطوط الأنابيب، وإنما ببناء منظومة متكاملة تضم خطوط النقل البرية، والموانئ، ومراكز التخزين، ومحطات إعادة التصدير، بما يسمح بإعادة توزيع التدفقات بسرعة وفقًا للظروف الأمنية والاقتصادية، ويحول شبكة الطاقة العالمية إلى منظومة أكثر مرونة وقدرة على الصمود.

وفي هذا السياق، يكتسب خط الأنابيب السعودي الذي يربط المنطقة الشرقية بميناء ينبع على البحر الأحمر أهمية متزايدة، لأنه يوفر منفذًا بديلًا لتصدير جزء مهم من الإنتاج الخليجي بعيدًا عن مضيق هرمز، بما يقلل الاعتماد على نقطة اختناق بحرية واحدة. كما يمثل خط أنابيب أبوظبي–الفجيرة نموذجًا آخر لتعزيز مرونة الصادرات الخليجية عبر نقل جزء منها مباشرة إلى بحر العرب. غير أن فعالية هذه البدائل تظل مرتبطة باستقرار البحر الأحمر، وهو ما يجعل أمن باب المندب عنصرًا لا يقل أهمية عن أمن هرمز في معادلة أمن الطاقة العالمي.

وأشار إلى أنه ومن هنا تبرز المكانة الاستراتيجية لمصر باعتبارها الحلقة التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط. فخط سوميد، إلى جانب قناة السويس، لا يمثلان مجرد ممرين لنقل الطاقة، بل يشكلان ركيزة أساسية لمنظومة الاستقرار الاقتصادي العالمي. ومع تزايد المخاطر في البحر الأحمر، تتعاظم أهمية تطوير القدرات اللوجستية المرتبطة بخط سوميد، وزيادة طاقات التخزين وإعادة التصدير، خاصة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بما يعزز مكانة مصر كشريك رئيسي في أمن الطاقة العالمي، ومركز لوجستي إقليمي لإدارة تدفقات الطاقة بين الشرق والغرب.

وفي المقابل، يصبح من الضروري تسريع تطوير مسارات برية إضافية، سواء عبر العراق وتركيا وصولًا إلى البحر المتوسط، أو من خلال تعزيز الربط بين شبكات الأنابيب الخليجية، بما يسمح بإعادة توجيه الصادرات وفقًا للظروف الأمنية. كما أن الاستثمار في الموانئ المطلة على البحرين الأحمر والعربي وربطها بشبكات نقل حديثة سيضيف بعدًا جديدًا لمرونة منظومة الطاقة الإقليمية، ويحد من تأثير أي اضطرابات محتملة في الممرات البحرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إنشاء خطوط جديدة، وإنما في تبني فلسفة استراتيجية تقوم على توزيع المخاطر بدلًا من تركيزها. فالعالم أنفق لعقود استثمارات ضخمة لزيادة الإنتاج، بينما لم يمنح القدر نفسه من الاهتمام لتأمين طرق النقل. واليوم تكشف الأزمات المتلاحقة أن أمن الممرات البحرية أصبح لا يقل أهمية عن أمن الحقول نفسها، وأن الاستثمار في البنية التحتية للنقل لم يعد خيارًا اقتصاديًا، بل أصبح ضرورة جيوسياسية.

وتؤكد التطورات المرتبطة بمضيقي هرمز وباب المندب أن العالم يقف أمام نقطة تحول في التفكير الاستراتيجي. فلم تعد معادلة أمن الطاقة تدور حول إنتاج المزيد من البترول والغاز، بقدر ما أصبحت ترتبط بالقدرة على إيصالهما إلى الأسواق بأمان واستمرارية. كما أن التنافس الدولي لم يعد يقتصر على امتلاك الموارد، بل امتد إلى التحكم في مساراتها وتأمينها، بعدما أصبحت حماية الممرات البحرية والبرية وإدارة شبكات النقل أحد أهم عناصر القوة الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. 

وقال من المرجح أن يشهد العقد المقبل سباقًا عالميًا للاستثمار في البنية التحتية البديلة، بحيث تتحول مرونة شبكات النقل وتعدد مساراتها إلى ركيزة أساسية للأمن الاقتصادي العالمي. وفي هذا السياق، تمتلك دول الخليج ومصر فرصة تاريخية لإعادة صياغة خريطة تدفقات الطاقة العالمية، ليس فقط من خلال زيادة الإنتاج، بل عبر بناء منظومة إقليمية متكاملة تقلل الاعتماد على نقاط الاختناق البحرية، وتعزز أمن الإمدادات، وتمنح المنطقة دورًا أكبر في رسم معادلات الطاقة العالمية. ومن ثم، فإن إعادة هندسة خريطة الطاقة العالمية لم تعد مجرد مشروع للبنية التحتية، بل أصبحت ضرورة استراتيجية تفرضها التحولات العميقة في النظام الدولي، حيث ستكون الدول القادرة على بناء شبكات نقل مرنة ومتعددة المسارات هي الأقدر على حماية مصالحها وتعزيز مكانتها في عالم يتشكل على أسس جديدة.

استطلاع راى

هل تتوقع اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة بين إيران والولايات المتحدة؟

نعم
لا

اسعار اليوم

الذهب عيار 21 5880 جنيه مصري
سعر الدولار 51 جنيه مصري
سعر الريال 13.71 جنيه مصري
Slider Image